هل إن بنيامين نتنياهو ورفاقه يخطّطون لإحداث فوضى أمنيّة في الأردن تمهّد لتحويله الى وطن بديل؟ لماذا رفض الإسرائيليون حتى الآن المبادرة العربية للسلام؟ ما الذي يمكن أن يحدث بعد الانسحاب الأميركي العسكري من المدن العراقية؟ هذه الأسئلة وخلافها أجاب عنها رئيس الوزراء الأردني الأسبق عبد السلام المجالي على الشكل الآتي.
«المشاهد السياسي» ـ عمان
> لماذا رفضت إسرائيل مبادرة السلام العربية؟
< المبادرة العربية للسلام جاءت تجيب عن بعض ما تدّعيه إسرائيل من تخوّفها من السلام، وهو أن العرب سيهاجمونها، ومن أنها تخشى أمنيّاً وسياسياً ألا يتم الاعتراف بها، كما أنها تواصل تضليل الرأي العام العالمي بأنها حمل وديع تحيط به الغيلان العربية، وأنها دولة صغيرة وسط محيط عدواني، وبذلك استدرّت عطف الغرب كون الضعيف ينجح في كسب العطف. لقد قالت المبادرة للعالم أن ذلك ليس صحيحاً، وأنه في حال إقامة الدولة الفلسطينية فإن العرب مستعدّون للاعتراف بإسرائيل. ولا شك في أن إسرائيل أعجبها ذلك الطرح، لكنها رفضت تلك المبادرة لأنها ستلزمها بتنفيذ القرار الدولي ٢٤٢، وستكون مضطرّة لحسم قضايا الحل النهائي، وهي الحدود والمياه واللاجئون والقدس والمستوطنات وهذا ما ترفضه نهائياً.
> كيف تنظر الى أوباما من خلال زيارتيه الى كل من تركيا ومصر وما ورد في خطابيه في البلدين؟
< الرئيس الأميركي الجديد زار تركيا ومصر من دون أن يعرج على إسرائيل، كما أنه لم يقم بعرض خطابيه على إسرائيل كما جرت العادة عند الرؤساء الأميركيين السابقين، وهذه سابقة ذات مغزى وعلينا استثمارها.
> لماذا تتعنّت إسرائيل رغم العروض العربية السخيّة للسلام؟
< لإسرائيل قوّة ذاتية وهي تتسلّح بعقيدة، وتمتلك سلاحاً نوويّاً وأسلحة متطوّرة وتدريباً، وتتمتّع بدعم خارجي قوي من الغرب وفي مقدّمته أميركا، فيما يسود الشارع العربي الانقسام والضعف والتشتّت ويفتقر الى الدعم. لكن السنوات العشر الأخيرة شهدت تغييراً جذريّاً تمثّل بتبدّل مواقف الدول الداعمة لإسرائيل، كما حدث في المواقف الأوروبية وموقف الادارة الأميركية الجديدة، ورفض المبعوث الأميركي للسلام جورج ميتشل لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو. كما أن وزيرة خارجية أميركا هيلاري كلينتون قالت إن حلّ القضية الفلسطينية مصلحة أميركية. لقد كانت إسرائيل تدفع بأميركا للانشغال بعيداً عن فلسطين في أفغانستان والعراق، حتى لا تعرف بالضبط ما يحدث هناك.
> ما هو تقييمك للعلاقة المتوتّرة بين الرئيس أوباما وإسرائيل؟
< هناك من يقول إن أوباما سيقطع رأس إسرائيل، وهذا ليس صحيحاً، وها هم قادة إسرائيل وفي مقدّمهم إيهود باراك يحاولون تلطيف الأجواء بين البيت الأبيض وتل أبيب بعد مواقف نتنياهو المتعنّتة، إلا أن المشكلة تكمن في الانقسام الفلسطيني «المعيق بالنسبة إلينا»، وأن استمراره يمنع التقدّم في اتجاه الحل. الرئيس الأميركي أوباما لا يزال طريّاً في البيت الأبيض، لكن هناك مؤشّرات إيجابية، منها رفض جورج ميتشل لقاء نتنياهو ووجود لوبي يهودي في أميركا اسمه «الشارع اليهودي» يعمل ضد الإيباك، وشعاره: يجب تخليص إسرائيل من نفسها. كما أن هناك مؤشّرات تدل على جدّيّة الرئيس أوباما، لكن الأمر لن يتطوّر الى حسم عسكري كما حدث في العراق. كما أن هناك مفكّرين يهوداً باتوا يطالبون إسرائيل بإعادة النظر في مفاهيمها السابقة مثل الهولوكست، وهذا أمر جديد.
> لماذا لا يلجأ الأردن الى إلغاء معاهدة وادي عربة ردّاً على الاستفزازات الإسرائيلية المتكرّرة والترويج لمشروع الأردن وطناً بديلاً للفلسطينيين؟
< إلغاء معاهدة وادي عربة ليس ممكناً لأنه يعني إعادة الأراضي المحرّرة لهم والاستغناء عن المياه، مع أن الإسرائيليين يرغبون في التخلّص من الشعب الفلسطيني ودفعه في اتجاه الأردن كوطن بديل. ولا جدال في أن هذه المعاهدة أصبحت دولية، وأنها رسمت الحدود واعترف العالم بها، كما أن أميركا تقوم بالضغط على إسرائيل عندما تكون المصلحة الأميركية في الميزان وهذا ما يحصل حالياً. هناك من يقول بعدم جدّية الضغوط الأميركية على إسرائيل وضعف الرد الأردني على طرح الوطن البديل، فالمثل الشعبي يقول «على قد لحافك مد رجليك»، لكن الأردن قام بحشد الرأي العام العالمي إلى جانبه، ومعروف أن مثل هذه القضايا لا يمكن حسمها بين يوم وليلة.
> كمراقب ما الذي يجري في إيران هذه الأيام؟
< هناك بدهيّة يجب أن تكون معروفة للجميع، وهي أن مصلحة الغرب تكمن في إضعاف إيران، وأميركا هي التي كانت سبباً في اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية خوفاً من نجاح عملية تصدير الثورة للعرب والمسلمين، كما أنه تم افتعال أزمة الكويت مع العراق، لأن الرئيس صدام حسين رفض تقليص عدد جيشه، لأن أميركا لا ترغب في جيش قوي بالقرب من منابع النفط. ومعروف أن أميركا عندما تفشل ديبلوماسياً وتعجز عن استخدام القوّة تلجأ الى التخريب الداخلي، وليس سرّاً القول إن أميركا تعاونت ودرّبت أسامة بن لادن وحركة طالبان واستخدمت الدين في الحروب، لكنها، وبعد تحقيق أهدافها في أفغانستان، قلبت لهم ظهر المجنّ ووضعتهم في خانة الأعداء واحتلت أفغانستان.
الإيرانيون شعب حضاري له تاريخ عريق، لكنه يتعرّض لحصار اقتصادي ألحق الضرر به، كما أن نتائج الانتخابات الأخيرة فجّرت الموقف الداخلي، وأن أميركا تعتقد بأن قادة الاحتجاجات سينجحون، ولذلك فإنها تدعم الحركة الحالية. لكن على الجميع أن يفهموا أنه في حال ضعفت إيران، فإن ذلك سينعكس على علاقاتها الخارجية وتحالفاتها مع كل من «حزب الله« و«حماس» والعالم بشكل عام يطمح الى التغيير، بدءاً من أميركا مروراً بتركيا الذي شهد الحزب الحاكم فيها انعطافاً في سياسته.
> لماذا ترفض إسرائيل حلّ الدولتين وعودة اللاجئين الفلسطينيين؟
< حق العودة تنص عليه القوانين الدولية، وتنص المادة الثامنة في معاهدة وادي عربة على العودة والتعويض، لكن المشكلة تكمن في الطرف الآخر (إسرائيل)، كما أن مبادرة السلام العربية قالت إن العودة تتم بالاتفاق مع إسرائيل. والسؤال هنا: هل إذا عادوا سيصبحون إسرائيليين أم سيبقون فلسطينيين؟ إذا كانوا إسرائيليين فإن الوضع مختلف، وإن أرادوا البقاء فلسطينيين فإن الأمر يتطلّب حصولهم على إقامة، وربما يصبحون عشرة ملايين مستقبلاً، ولذلك لن تقبل إسرائيل بذلك لأن وجودها مهدّد، والعالم لا يقبل ذلك.
كما أن عودة أربعة ملايين فلسطيني ليست سهلة، وفي تقديري أن الأمور ستتحسّن في حال حدوث سلام وستصبح الحركة على غرار ما هو قائم في أوروبا.
النموّ السكاني الفلسطيني في القدس يقلق الإسرائيليين، فهناك ٢٥٠ ألف فلسطيني و٣٥٠ ألف يهودي في المدينة المقدّسة، في حين يوجد ٤٧٪ من السكان العرب في فلسطين السياسية مقابل ٥٣٪ من اليهود، وهناك سؤال يؤرقهم: ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات؟ هناك مقترحات للفلسطينيين بالعودة إلى حلّ الدولة الواحدة إلا أن إسرائيل ترفض ذلك لأن الأكثرية ستكون للعرب.
> كيف تنظر الى جدار الضم الذي بنته إسرائيل؟
< هذا الجدار اعتراف من الإسرائيليين بوجود الطرف الآخر، مع أنهم كانوا لا يعترفون بوجود الشعب الفلسطيني. وهناك سلطة حالياً وإن لم توجد الدولة بعد. وكل الجدران التي أقيمت في العالم هدمت وأزيلت، وسيتمّ هدم هذا الجدار يوماً ما، ومصلحة إسرائيل تكمن في إزالة مثل هذا الجدار. لكن المشكلة هي أن ثقافة الإسرائيليين قائمة على الحصار.
> وقّع الفلسطينيون أوسلو في العام ١٩٩٣، لكنهم لم يحصلوا على سلام. لماذا؟
< سألت عرفات يوماً أنه لو كان في موقع شارون هل سيعطيهم شيئاً وهم يعانون التشتّت والانقسام؟ فأجابني: لن أعطيهم حبّة رمل واحدة. كما أن الانشقاق العربي والانقسام الفلسطيني مصلحة إسرائيلية. الإسرائيليون يريدون اضطراباً أمنيّاً في الأردن لاحتلاله، ولذلك يتوجّب على الأردنيين كافة أن يتسلّحوا بالوعي.
> ما مخاطر التطبيع الاقتصادي والثقافي مع إسرائيل التي لا تزال تمارس التقتيل والتذبيح في صفوف اللفلسطينيين؟
< علينا ملاحظة أن فلسطينيي ٤٨ لا يزالون متمسكّين بلهجتهم، ولذلك فإن الضغط الثقافي الإسرائيلي لم يغيّرهم، وبالتالي لا خوف من التطبيع الثقافي، لأن الثقافة العربية الإسلامية أقوى من الانصياع للثقافة الإسرائيلية.
> ما تقييمك للعلاقة الفلسطينية ـ الأردنية؟
< العلاقة الأردنية ـ الفلسطينية وثيقة وقديمة ويجب أن تستمرّ وهي تاريخية، والشعب الأردني لا يستطيع العيش من دون الشعب الفلسطيني، وكذلك الشعب الفلسطيني لا يستطيع العيش من دون الشعب الأردني، لكن هذه العلاقة لم تكن مؤسّسيّة، لذلك بقيت في معظمها ضبابية، وأستطيع التأكيد أن قيام الدولة الفلسطينية، سيساعد في التأسيس لعلاقة قويّة أكثر مع الأردن. والعلاقة ليست من خلال الشعب الفلسطيني فقط. هناك المياه والحدود والأمن، والأردن أكبر دولة مضيفة للاجئين، ونتنياهو طرح قيام علاقة مع الأردن قبل إقامة الدولة الفلسطينية، بمعنى أن يقوم الأردن بالتفاوض مع إسرائيل نيابة عن الفلسطينيين ليبقى الأردن متّهماً بأنه أضاع القضية الفلسطينية، لكن الملك حسين والشعب في الأردن رفضا ذلك، كما أن الجميع ضغطوا في اتجاه إلغاء مسؤولية الأردن عن القضية الفلسطينية، ولذلك جاءت عملية فك الارتباط. نحن نحلم بالوحدة العربية، ولكن المعطيات الحالية لا تبشّر بالخير، ولذلك يجب إصلاح العلاقات العربية ـ العربية أولاً.
> هل من دولة فلسطينية في الأفق؟
< الدولة الفلسطينية المستقلّة قادمة، والضفة وغزة ستتوحّدان من جديد، وقد عرض أولمرت على الفلسطينيين ٩٢٪ من أراضي الضفة و٤٪ قابلة للتفاوض، و٤٪ خاضعة للتبادلية، وأن تكون القدس الشرقية للفلسطينيين والغربية لليهود، على أن توضع البلدة القديمة تحت الادارة الدولية، لكنه اشترط الاعتراف بيهودية إسرائيل، ما جعل الفلسطينيين يرفضون ذلك خوفاً على مصير فلسطينيي ٤٨ وعددهم نحو ١.٢٥ مليون نسمة > |