في غياب قوّات حكومية قويّة
بغداد ـ «المشاهد السياسي»
تقدّر القيادات العسكرية الأميركية في العراق لقوى الأمن التي يقودها السنّة والمعروفة باسم مجالس الصحوة أو «أبناء العراق»، وعددها حوالى ١٣٥، مساهمتها في التهدئة التي تحقّقت أخيراً. فهذه القوّة الأمنيّة تضم ٨٠ ألف مقاتل، ٨٠ في المئة منهم من السنّة و٢٠ في المئة من الشيعة، وهي انبثقت عن «صحوة الأنبار» السنّيّة التي أطلقت في الصيف الماضي، عندما اتحد زعماء العشائر واتفقوا على طرد تنظيم «القاعدة» من العراق، فتشكّلت ميليشيات متطوّعة مهمّتها تولّي الأمن في مناطقها.
ودعم الأميركيون هذه المبادرة، ووجدوا فيها فرصة للتعويض من عدم وجود قوّات أمن وطنية يمكنها مساعدتهم للتصدّي العدو المشترك، «القاعدة».
ولطالما مالت الولايات المتحدة في الصراعات الأخرى إلى تجنّب مهمّة بناء الدولة، واختارت بدلاً من ذلك أن تعمل قوّاتها على الحفاظ على التناسق بين القوى الإقليمية. وتركت السياسة الاستراتيجية الأميركية في أفغانستان صدى مماثلاً. واتخاذ قرارات غير عنيفة في الصراع على السلطة في العراق سيكون أمراً صعباً.
وتعهّد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، خلال مشاركته في احتفالات ذكرى المولد النبوي في حي الأعظمية، أبرز مناطق العرب السنّة في بغداد، دمج قوّات مجالس الصحوة في هذا الحيّ ضمن المؤسّسات الأمنيّة.
وقال المالكي: «هؤلاء أبنائنا الذين وقفوا وصرخوا صرخة الحق في وجه الباطل، لا بد من أن يكون لهم موقعهم وموقفهم الكريم مثار إعجاب للجميع».
وأضاف: «سنعمل على تسهيل كل الصعاب... وفتح كل الدوائر والمؤسّسات المغلقة، واستقبال أبنائنا الذين وقفوا بحزم في مواجهة هذه التحدّيات».
وألقى المالكي كلمته بعدما خاطبه رئيس الوقف السنّي الشيخ أحمد عبد الغفور السامرائي قائلاً: «إننا بحاجة الى دمج من تنطبق عليه الشروط في صفوف الجيش والشرطة، لأن الشباب بذلوا الأرواح... نريد مكافأتهم، وأعتقد أن دولة رئيس الوزراء لا يستكثر على أولادنا أن يكونوا جزءاً من المؤسّسة العسكرية والأمنيّة».
وتابع السامرائي: «أهيب بدولته أن يشكّل لجنة، لأن أكثر من ثلاثين قائداً من الصحوة والانقاذ زاروني خلال الأسبوعين الماضيين وحمّلوني الأمانة، نريد أن يأمر باحتواء هذا العدد الكبير الذي يعاهد على السعي الى تحقيق الأمن».
وأوضح السامرائي أن «أكثر من مئتي عائلة من سكان الأعظمية عادوا الى الحي، نريد أن تكون الأعظمية نموذجاً يفتخر به العراقيون بغض النظر عن الانتماءات الطائفية».
وتساءل «أين العالم الإسلامي؟ فنحن بكل أطيافنا ومكوّناتنا سنّة وشيعة نقف وقفة واحدة ضد الارهاب».
وبحسب الناطق باسم الجيش الأميركي الأدميرال غريغوري سميث، سيختار الاستراتيجيون في العراق ٢٥% من أفراد مجموعات الصحوة، وقوامها ٨٠ ألف عنصر، لتأدية مهام عسكرية أمنيّة في مراكز الشرطة. أما الـ٧٥% الباقون، فيأمل المسؤولون الحكوميون بأن يشاركوا في صفوف تدريب، بهدف تسلّم مهام إعادة إعمار البنية التحتية للعراق.
لكن عناصر القوّة الأمنيّة لن يخدموا في مواقع وزارية، وسينتهي دورهم متى صارت القوى الأمنيّة جاهزة لتسلّم الأمن.
وبما أن «أبناء العراق» جزء من الفسيفساء العراقية، لا شك في أن بعض المشكلات تعترض الاختلاط فيما بينهم، ومن الأمثلة على ذلك ما حصل في محافظة ديالى أخيراً، عندما تركت مجموعة من «أبناء العراق» نقاط التفتيش، احتجاجاً على تعيين الحكومة المركزية قائداً لهم من أبناء الطائفة الشيعية. أضف إلى ذلك أن عدداً كبيراً من أفراد مجالس الصحوة لم يعودوا يجدوا معنى لاستمرار القتال، فيما لا يتقاضون أي مكافآت. ومما يزيد الطين بلّة، وقف إطلاق النار الهشّ من قبل جيش المهدي، بزعامة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، والذي يخشاه قسم كبير من عناصر قوّات الصحوة.
وإذا حملت ميليشيات الصدر أسلحتها من جديد، قد ينفجر الصدام بين الشيعة في جيش المهدي والسنّة في مجالس الصحوة مرة أخرى، لتجد القوّات الأميركية ذاتها عالقة في الوسط. وهذا سيناريو مخيف سيدفع بالعراق إلى حرب أهليّة. |