> الجراحة الناجحة التي خضع لها الرئيس حسني مبارك، في أحد المستشفيات الألمانية، والتي نقل خلالها للمرّة الثانية صلاحياته (لا سلطاته) الى رئيس الحكومة، سارت على ما يرام. فقد استأصل الأطبّاء المرارة التي تزعجه، واستأصلوا في الوقت نفسه المرارة من حلق الحزب الوطني الحاكم، الذي يعيش همّاً كبيراً عنوانه «آليّة التوريث».
وليست هي أول مرّة التي يرخي فيها الرئيس المصري أوجاعه على الأطباء الألمان، فقد خضع في العام ٢٠٠٤ لجراحة في الظهر، لكنه صامد وبقوّة، بدليل أنه لا ينوي ـ حتى إشعار آخر ـ تعيين نائب له، والشائعات لا تستبعد أن يرشّح نفسه لدورة سادسة.
والاجتهادات الاعلامية حول صحّة «الرئيس» ممنوعة، بعدما تعرّض إبراهيم عيسى رئيس تحرير «الدستور» للسجن والغرامة، لأنه سمح لصحيفته بمثل هذه الاجتهادات، وقد لعب الاعلام المصري هذه المرّة الشفافيّة بصورة كاملة، إذ اقتصرت المعلومات التي نشرت حول وضع الرئيس الصحّي على البيانات الرسميّة.
بالمناسبة، هناك من يتخوّف على مستقبل الدكتور أحمد محمود محمد نظيف، لأن تجربة سلفه في ممارسة صلاحيات الرئيس في غيابه، أدّت قبل ست سنوات الى إعفائه من صلاحيات الرئاسة وصلاحيات رئاسة الحكومة في آن، وقد أرغم الدكتور عاطف عبيد على ترك موقعه في الشهر التالي بعد الامتحان الكبير... لكن الدكتور نظيف الذي كان شاهداً على هذه التجربة قد يكون اتّخذ الحيطة كاملة لتداركها! ومَن يدري؟
المهم أن الجراحة انتهت على خير، وتبقى هناك جراحتان: الأولى «جراحة» إقصاء الدكتور محمد البرادعي عن مسرح الانتخابات الرئاسية، والثانية «جراحة» تبرئة رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى من دم سوازن تميم، المطربة اللبنانية التي أثار ذبحها في دبي اهتمام العالم كلّه.
في ما يتّصل بالبرادعي كل شيء يدلّ على أن الدوائر الأمنيّة المصريّة بدأت تقلق، ولو على مسافة ١٨ شهراً من موعد المعركة، لأسباب عدّة لعلّ أبرزها تراكم التقارير الأميركية التي تقول بأن واشنطن تنظر الى ترشّح الدكتور القادم من ڤيينا على أنه مؤشّر الى صدقيّة العملية السياسية المصرية.
وبعض التقارير تذهب الى أبعد. صحيفة «غلوبال بوست» الأميركية مثلاً تقول إن الرجل يحظى بفرصة كبيرة لهزيمة الرئيس مبارك والحصول على دعم الشعب المصري، خصوصاً مع المكانة الدولية التي يحظى بها، الى جانب التراجع القوي للدور المصري في كل قضايا المنطقة، ومعاناة المصريين الفقر والقمع طوال فترة حكم الرئيس مبارك التي امتدت على مدى ٢٩ عاماً حتى الآن. الصحيفة تضيف أن رحلة التغيير قادمة الى مصر، لأن مبارك لم يعد قادراً على تحقيق أي نفوذ، بدليل أن الرئيس الأميركي لم يعد يقيم حساباً للدور المصري في التخطيط لسياساته الشرق أوسطيّة، بخلاف ما كان عليه الأمر في السنوات العشر الأولى من الولاية المباركيّة.
والأخبار تقول إن «معركة إلكترونية» تدور رحاها بقوّة على شبكة الإنترنت، منذ عودة الدكتور البرادعي ودعوته الى تعديل الدستور بشكل يسمح للمرشّحين المستقلّين خوض المعركة من خارج تعقيدات المادة ٧٦ من الدستور. وكل المؤشّرات تتلاقى على أن شعبية البرادعي آتية لا مناص، من العالم الافتراضي الذي هو الـ«نت»، ومن عالم المصريين الفقراء المحرومين الذين ينتظرون الفرج منذ ثلاثة عقود. حتى الآن مليون شاب مصري أعلنوا تأييدهم للبرادعي رئيساً، وثلاثون تنظيماً سياسياً تلاقت على تشكيل التجمّع الضاغط لإحداث التعديلات الدستورية المطلوبة، الأمر الذي وضع الرئيس مبارك وحزبه ونجله المعني بالتوريث في موقع دفاعي.
ومواقع الإنترنت مفتوحة وكذلك التجمّع السياسي، ولن يمضي وقت طويل حتى يتبدّل المشهد السياسي المصري.
في أول ردّ فعل على هذا الحراك، أعلن الرئيس مبارك من برلين حيث يستكمل علاجه، أن لا مانع من ترشّح البرادعي (من دون أن يسمّيه) وفاقاً لأحكام الدستور. هذا «اللامانع» يفترض أن المادة ٧٦ منزلة، وأن الحزب الوطني هو الذي يقرّر من يحقّ له الترشّح ومن لا يحقّ له ذلك، وفي هذه الحال، لن يحظى البرادعي بنعمة دخول السباق الرئاسي.
لكن «كرة الثلج» تكبر، والتعديل آت على الأرجح، سواء احتاج الأمر الى «جراحة» يتولاّها الشارع المصري أم بقيت الأمور بين جدران القصر.
تبقى «الجراحة الثالثة»، وقد بدأت تباشيرها في أسبوع العلاج الألماني بقبول محكمة النقض المصرية الطعن المقدّم من هشام طلعت مصطفى وضابط أمن الدولة السابق محسن السكّري، على حكم الاعدام وقبول إعادة المحاكمة.
هذه المرّة الجراحة قضائية ولن تكون صعبة على الأرجح، إلا أن المراقبين الدوليين يربطونها منذ الآن بـ«ديناميكية تحوّل السلطة» في مصر. هل تتمّ «جراحة» تعديل الدستور بضغط من الشارع المصري؟
هل يستكمل الحزب الحاكم في مصر «جراحة» تبرئة هشام طلعت والسكري؟
كل ما نعرفه أن جراحة برلين انتهت على خير، ويبقى أن نرصد آليّات الجراحتين المتبقّيتين > |