> مهمّة «إطفاء الحرائق» التي تجنّدت لها قطر على امتداد المساحة العربية، حقّقت حتى الآن نجاحات كبرى، في لبنان والعراق واليمن وفلسطين، كما في القارّة الأفريقية (أفريقيا العربية بصورة خاصّة)، وفي أريتريا والسودان والصومال بصورة خاصّة.
وآخر المحطّات الناجحة في التحرّك الديبلوماسي القطري كان توقيع الاتفاق الاطاري لسلام دارفور، وهو فرصة ذهبية لمقاربة القضيّة بالحوار وإيجاد حلول جذريّة لها، بعدما ظلّت طوال سنوات عدّة قنبلة متفجّرة في الداخل السوداني، ونقطة عبور للتدخّلات الخارجية، القريبة والبعيدة، في شؤون السودان.
وأهميّة الرعاية القطرية للاتفاق هي في أنها توّجت عملاً قطرياً دؤوباً، اتّسم بالحرص والتأنّي والمثابرة، واستقطب على مراحل دعماً سودانياً وأفريقياً ودولياً. ومعروف أن محادثات السلام الشاملة حول أزمة الإقليم السوداني المتفجّر انطلقت قبل خمسة عشر شهراً تقريباً في العاصمة القطرية، بمشاركة أعضاء اللجنة الوزارية العربية والأفريقية والحكومة السودانية ورئيس الاتحاد الأفريقي وبعض الحركات المسلّحة في الإقليم.
في غضون ذلك، واصل الاجتماع التشاوري لمنظّمات المجتمع المدني في دارفور أعماله ضمن مفاوضات السلام الشامل، في مسعى لتقديم رؤية مشتركة، وبلورة مقترحات وتوصيات عملية لدفع المفاوضات الى نهايات سليمة.
وبوساطة قطريّة وقّعت الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة (إحدى كبريات حركات دارفور المسلّحة) اتفاق حسن نيّات وبناء ثقة في ١٧/٢/٢٠٠٩، أي قبل عام كامل من تاريخ توقيع الاتفاق الاطاري.
في وقت لاحق، وبعد مضي عشرة أشهر على هذا الاتفاق، عقد ممثّلو المجتمع المدني اجتماعاً تشاورياً في الدوحة، دعوا فيها الحكومة والحركات الدارفورية معاً الى الوقف الفوري لإطلاق النار، وحثّوا كل الحركات المسلّحة على توحيد رؤاها التفاوضية من أجل وضع حدّ لمعاناة الإقليم، مشدّدين على أن الدوحة هي المنبر الوحيد للتفاوض.
وجاء «إعلان الدوحة» الصادر عن هذا الاجتماع، بعد أربعة أيام من المباحثات والنقاشات، يكرّس الدعم المدني الدارفوري لمفاوضات السلام، ويؤكّد أن المجتمع المدني السوداني شريك أصيل في هذه المفاوضات.
وأهميّة هذا «الاعلان» في أنه تضمّن أيضاً مبادئ أساسية للتفاوض تنطلق من أن دارفور جزء من السودان الواحد الموحّد، وأن قضيّة الإقليم قضيّة سياسية ذات أبعاد اجتماعية ـ اقتصادية لا يمكن حلّها إلا بالحوار الجادّ بين أبناء الوطن. ومن بين القضايا التي تناولها البيان الترتيبات الأمنيّة ونزع السلاح والجمع المتزامن لهذا السلاح، وتفعيل دور القيادات والادارات الأهليّة على كل المستويات. وبشأن تقاسم الثروة والتنميّة الاقتصادية والاجتماعية، أكّد الاعلان ضرورة تنفيذ مشاريع استراتيجية تنموية كبيرة ذات طابع قومي، مع مراعاة التمييز الايجابي، وتخصيص حصّة عادلة من الموارد النفطيّة لدارفور.
ولم تكتف الدوحة بمواكبة المشاورات من بعد، لأن الوسيط القطري انخرط بقوّة في المفاوضات الحكومية مع «حركة العدل والمساواة». ومن أجل هذه الغاية، قصد الخرطوم قادماً من طرابلس، والتقى هناك عدداً من المسؤولين الليبيين وممثّلين عن الحركات المسلّحة في دارفور. ولم تقتصر المهمّة على الخرطوم، لأن الوسيط القطري قصد تشاد وكينيا ليلتقي مجموعة الحركات التي لم تكن قد شاركت في المشاورات، من أجل التشجيع على جولة جديدة من التفاوض مع كل الأطراف الراغبة في صنع السلام.
في تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٩، عادت ورشة العمل المعنيّة بسلام دارفور الى الدوحة، لتثبت مبدأ الحوار والتسوية السياسية طريقاً أوحد لحلّ الأزمة، بمشاركة وفود من عشرين دولة ومنظّمة واتحاداً. ومرّة أخرى، أكّدت الدوحة ضرورة التغلّب على كل الصعاب التي تعترض العملية السلمية بالتشاور مع أطراف النزاع، كما أكّدت ضرورة الاستعانة بالخبرات الفنّيّة للمشاركة في الورشة، لجهة تقديم مقترحات عملية حول أفضل السبل لتسريع الحلّ وإشراك المجتمع المدني الدارفوري في التوافق.
وهكذا تسارع إيقاع الوساطة القطرية التي توجّت في الأسبوع ما قبل الفائت بتوقيع الاتفاق الاطاري، في قمّة سمّيت «قمّة سلام دارفور»، ضمّت أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والرئيس السوداني عمر البشير، والرئيس التشادي أدريس ديبي، ورئيس حركة العدل والمساواة خليل إبراهيم. واعتبرت الأطراف المشاركة الخطوة مدخلاً الى مرحلة جديدة في العلاقات السودانية بدول الجوار من جهة، وعواصم القرار الكبرى من جهة أخرى.
إنه اختراق تاريخي في مسيرة النزاع، ومحطّة واعدة في مستقبل السودان. إنها صناعة قطرية للسلام السوداني الآتي >
|